ابراهيم بن عمر البقاعي

245

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

لهم خلفا مما يعولهم من مضمون سائر السور المطولات ، فكان أحق ما افتتح به مفصلهم حرف ق الذي هو وتر الآحاد ، والظاهر منها مضمون ما يحتوي عليه مما افتتح بألف لام ميم ، وكذلك كان صلّى اللّه عليه وسلّم يكثر أن يقرأ في خطبة يوم الجمعة « 1 » إليهم لأنها صلاة جامعة الظاهر بفاتحة المفصل الخاص بهم ، وفي مضمونها من معنى القدرة والقهر المحتاج إليه في إقامة أمر العامة ما فيه كفاية ، وشفعت بسورة المطهرة فخصوا بما فيه القهر والإنابة ، واختصرت سورة نون من مقتضى العلم بما هو محيط بأمر العامة المنتهي إلى غاية الذكر الشامل للعالمين . ولما كان جميع السور المفتتحة بالحروف المتضمنة للمراتب التسع ، والعاشر الجامع قواما وإحاطة في جميع القرآن ، لذلك كانت سورة قاف وسورة ن قواما خاصا وإحاطة خاصة بما يخص العامة من القرآن الذين يجمعهم الأرض بما أحاط بظاهرها من صورة جبل قاف ، وما أحاط بباطنها من صورة حيوان « نون » الذي تمام أمرهم بما بين مددي إقامتهما ولهذه السورة المفتتحة بالحروف ظهر اختصاص القرآن وتميزه عن سائر الكتب لتضمنها الإحاطة التي لا تكون إلا بما للخاتم الجامع ، واقترن بها من التفضيل في سورها ما يليق بإحاطتها ، ولإحاطة معانيها وإتمامها كان كل ما فسرت به من معنى يرجع إلى مقتضاها ، فهو صحيح في إحاطتها ومنزلها من أسماء اللّه وترتبها في جميع العوالم ، فلا يخطئ فيها مفسر لذلك لأنه كلما قصد وجها من التفسير لم يخرج عن إحاطة ما تقتضيه ، ومهما فسرت به من أنها من أسماء اللّه تعالى أو من أسماء الملائكة أو من أسماء الأنبياء أو من مثل الأشياء ، وصور الموجودات أو من أنها أقسام أقسم بها ، أو فواتح عرفت بها السور ، أو أعداد تدل على حوادث وحظوظ من ظاهر الأمر أو باطنه على اختلاف رتب وأحوال مما أعطيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من مقدار أمد الخلافة والملك والسلطنة وما ينتهي إليه أمره من ظهور الهداية ونحو ذلك مما يحيط بأمد يومه إلى غير ذلك ، وكل داخل في إحاطتها ، ولذلك أيضا لا تختص بمحل مخصوص تلزمه علامة إعراب مخصوصة فمهما قدر في مواقعها من هذه السورة جرا أو نصبا أو رفعا ، فتداخل في إحاطة رتبتها ولم يلزمها معنى خاص ولا إعراب خاص لما لم يكن لها انتظام ، لأنها مستقلات محيطات ، وإنما ينتظم ما يتم معنى - كل واحد من المنتظمين بحصول الانتظام ، وذلك يختص من الكلم بما يقصر عن إحاطة مضمون الحروف حتى أنه متى وقع استقلال وإحاطة في كلمة لم يقع فيها انتظام .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد 6 / 436 و 463 ونسبه المجد في المنتقى إلى مسلم وأبي داود 3 / 266 وأخرجه النسائي 157 / 2 في الصلاة لا الخطبة وذلك كله عن أم هشام رضي اللّه تعالى عنها . وأخرجه النسائي 2 / 157 عن قطبة بن مالك رضي اللّه تعالى عنه .